الدراما بين المأساة الفنية وتشويه الذاكرة الجمعية

تاريخ النشر - 2026-02-23

الدراما بين المأساة الفنية وتشويه الذاكرة الجمعية

بقلم: أ. بلال محمد الشيخ _ كاتب وسياسي سوري
"عضو تيار سورية الجديدة "

في بداية شهر رمضان، ومع انطلاقة شاشة "السورية"، بدا المشهد الإعلامي وكأنه يخرج من عباءة الماضي أكثر مما يدخل في زمن جديد.

هذه الانطلاقة لم تُقرأ كخطوة نحو التجديد، بل كإعادة إنتاج لوجوه ارتبطت بالنظام البائد، ما أثار جدلاً واسعاً حول جدوى استمرارها في تمثيل الواقع الجديد.

الإعلام السوري، الذي تعثر طويلاً وتأخر عن ركب التطور، يجد نفسه اليوم أمام امتحان عسير: هل يستطيع أن يلحق بالزمن ويعيد بناء الثقة مع جمهوره، أم سيظل أسير أدوات التزييف القديمة؟

رغم أن الإعلام في العالم العربي شهد تحولات كبيرة خلال العقدين الأخيرين، ظل الإعلام السوري عاجزاً عن مواكبة التطور التكنولوجي والمهني، فلم يستثمر في منصات رقمية حديثة، ولم يفتح نوافذ حقيقية على المجتمع، بل بقي يكرر إرث الماضي ويعيد إنتاجه.

هذا التأخر جعل الجمهور السوري يبحث عن بدائل خارجية، ففقد الإعلام المحلي مكانته الطبيعية كمرآة للناس وصوت لهم.

الصحافي إبراهيم الحريري يرى أن الدراما الجديدة لا تخاطب شريحة حقيقية من المجتمع، بل تعكس فراغاً يحتاج إلى "نفضة" وشخصيات جديدة تحمل قيمة وعمقاً.

أما السياسي د. ياسر تيسير العيتي "رئيس تيار سورية الجديدة " فيعتبر أن ما يُعرض اليوم مأساة فنية بحد ذاتها، إذ تحولت محاولة توثيق المأساة السورية إلى تشويه إضافي للذاكرة الجمعية.

الباحث علاء فحام وصف القناة الجديدة" السورية" بأنها امتداد للحقبة القديمة، ببرامج ووجوه زيفت وعي السوريين طويلاً.

من جانب آخر، شددت الكاتبة لبانة الهواري على ضرورة الرقابة الأخلاقية لحماية تاريخ الثورة ودماء الشهداء ووجع المعتقلين، مؤكدة أن الفن لا يمكن أن يكون منفصلاً عن القيم.

الدكتور حذيفة عكاش "مدير مؤسسة رؤية للفكر " ذهب أبعد من ذلك، مطالباً كل من وقف مع النظام باعتذار صريح ومتكرر، معتبراً أن المفاصلة مع الظالمين واجب ديني وأخلاقي.

الفنان ليس مجرد مؤدٍ لدور، بل حامل لقيم ورسالة.
في بلد عاش مأساة بحجم سوريا، يصبح الفن مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة.

لذلك فإن الفنانين الذين وقفوا مع النظام أو برروا جرائمه لا يمكن أن يعودوا إلى المشهد دون مواجهة الحقيقة.
الاعتذار الصادق، أو الاعتزال، هما الحد الأدنى من المسؤولية تجاه شعب دفع أثماناً باهظة.

أما الاستمرار في الظهور وكأن شيئاً لم يكن، فهو إهانة لذاكرة الضحايا وتزييف لوعي الأجيال الجديدة.

الكاتبة نور الجندلي ربطت الفن بالذاكرة الجمعية، مؤكدة أن الفن الحقيقي يجب أن ينحاز للإنسان ويحفظ الحقيقة من التزييف، وأن تحويل الوجع إلى مادة استهلاكية يؤديها أشخاص ساهموا في تعميق الجرح هو خيانة أخلاقية.

الأكاديمي الدكتور أحمد علي عمر وصف مشاركة ممثلين وقفوا مع النظام بأنها إعادة تمثيل للجريمة أمام أهالي الضحايا، فيما اعتبر الصحافي رزق العبي أن أغلب ممثلي سوريا اليوم يمثلون شريحة ساقطة اجتماعياً.

الشارع السوري اليوم لا يبحث عن ترفيه فارغ، بل عن فن يعيد له كرامته ويعكس معاناته بصدق.
يحتاج إلى أعمال تحكي قصص المعتقلين، المهجرين، الشهداء، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن بلا يقين. يحتاج إلى وجوه جديدة لم تتلوث بمديح الطغيان، وإلى نصوص تحمل عمقاً إنسانياً يعيد بناء الثقة بين الفن والجمهور. هذا هو الامتحان الحقيقي للإعلام والفن بعد التحرير: أن يكونا صوتاً للناس لا صدى للسلطة.

هذه الآراء تكشف أن أزمة الإعلام والفن في سوريا بعد التحرير ليست مجرد أزمة مهنية، بل أزمة أخلاقية ووجودية.
فالإعلام والفن إما أن ينحازا للإنسان والحرية والعدالة، أو يبقيا أسرى الماضي وأدوات لتزييف الوعي.

المستقبل يتطلب وجوهاً جديدة تحمل قيماً أصيلة وتجسد معاناة السوريين بصدق وعمق، بعيداً عن أولئك الذين شاركوا في التزييف والقتل.

أ. بلال محمد الشيخ

كاتب وسياسي سوري وعضو في تيار سورية الجديدة.